البرنامج الحكومي المقبل بين مستلزمات الإنسجام والنجاعة وتعبئة الكفاءات والإستجابة لإنتظارات المواطنين

تأتي البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المرتبطة باستحقاقات 8 شتنبر 2021 في سياق يتسم على المستوى الداخلي باستمرار مخلفات آثار جائحة كوفيد19 وإجماع كافة القوى السياسية والمدنية على مضامين وثيقة النموذج التنموي الجديد الذي تضمن تشخيصا لواقع حال المغرب و رصد 4 معيقات تحد من مردودية النموذج التنموي الحالي :
غياب الانسجام بين الرؤية التنموية والسياسات العمومية
بطء التصور الهيكلي للاقتصاد ومحدودية قدرات القطاع العام .
ضعف الحماية القضائية وعدم القدرة على التوقع.
و حددت وثيقة النموذج الجديد المرجعية الجديدة للتنمية في 4 مرتكزات:
التكامل بين دولة قوية ومجتمع قوي.
ضرورة الالتقائية بين السياسات وتضافر جهود الفاعلين في إطار مقاربة تعبوية مبنية على شراكة منفتحة
تنظيم للدولة يكرس الجهوية.
وضع إطار لترسيخ الثقة والمسؤولية من أجل تعزيز الحماية القانونية.
تجويد الرأسمال البشري من أجل مغرب الكفاءات.

وتبين قراءة مجمل البرامج الانتخابية برسم الاستحقاقات التشريعية أنها لم تخصص حيزا هاما لتشخيص واقع الحال وقراءتها للسياق الدولي والوطني ورهاناته وتحدياته.
كما لم تستحضر غالبية الأحزاب بالشكل الكافي في برامجها هويتها السياسية ومرجعيتها الأيديولوجية وكأن زمن الأيديولوجيات و الهويات السياسية قد ولى لفائدة مقاربة براغماتية ترتكز على الالتزامات والإجراءات ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي على المدى المتوسط.


و قد تضمنت مجمل البرامج التزامات مرقمة في بعض الأحيان تتمحور أساسا حول خلق مناصب للشغل خاصة لفائدة الشباب ومحاصرة ظاهرة البطالة والفقر والنهوض بنظام و حكامة المؤسسات و تعميم وتجويد الخدمات الصحية، والنهوض بأوضاع التربية والتكوين وتطوير وتوسيع نظام الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، وتم الاهتمام بفئة الأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين.


ويبدو من خلال مضامين برامج جل الأحزاب أن هشاشة الوضعية الاجتماعية لفئات عريضة من المجتمع التي ساهمت جائحة كوفيد19 في تعميق حدتها، جعلت من النهوض بالأوضاع الاجتماعية مطلبا ضاغطا في أجندة الأحزاب السياسية.


وقد اختلفت الأحزاب السياسية في تقديرها لنسب النمو الممكنة التحقيق بين 3 و6% وعدد مناصب الشغل الممكن إحداثها، ونسب تقليص البطالة والفقر داخل المجتمع.


ولم تنتظم الاقتراحات ذات الصلة بالمجال الاقتصادي في إطار رؤية استراتيجية شمولية و متكاملة تحدد الاختيارات الكبرى و الأنماط الاقتصادية المعتمدة و تبلور الأجوبة ذات الصلة بالسياسة النقدية والتوازنات الاقتصادية الكبرى واحتواء عجز الميزانية وسيناريوهات النمو المرتبطة بتطورات جائحة كوفيد19 وتداعياتها وأنماط تدبير الاقتصاد الوطني و إشكالات التوزيع العادل للثروة و سبل إعمال النموذج التنموي الجديد و آليات و مصادر تعبئة الموارد المالية و البشرية الضرورية للوفاء بالالتزامات و أجندة تنفيذها.

ولم تحظى عدة مواضيع بأهمية كبرى في برامج الأحزاب من قبيل أسئلة الهوية والثقافة والقيم وإن أجمعت جل الأحزاب على ضرورة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. كما ظل موضوع المناصفة والسياسة المندمجة للشباب وتأهيل الإعلام السمعي البصري والمكتوب والرقمي، ومحاربة الفساد واقتصاد الريع هامشيا في برامج مختلف الأحزاب.


كما لم تتناول البرامج بالشكل المطلوب أسئلة السياسة الخارجية والديبلوماسية والرهانات الجيو- الإستراتيجية ،وقضايا الحكامة الأمنية وتأهيل الحقل الديني.


إن تشكيل أغلبية حكومية منسجمة و قوية يقتضي وجوبا الدخول في حوار يمكن من التوافق حول التحديات والرهانات وترتيب الأولويات وبلورة التصورات ذات الصلة بالأبعاد التي لم يتم استحضارها في البرامج الانتخابية وتحديد آليات التفعيل وسبل تعبئة الموارد المالية والبشرية الضرورية ،وآجال تنفيذ الالتزامات.


كما يتطلب كسب رهان نجاعة الفعل العمومي التعبئة الشاملة للكفاءات على المستوى الوطني والمحلي المهيئة لرفع تحديات التنمية في سياق وطني ودولي متحول. الشيء الذي يقتضي إعادة النظر في منهجية الترشيحات لمناصب المسؤولية الحكومية وتحديد مسالك اتخاذ القرار وتدبير المسارات داخل الأحزاب السياسية وترتيبات المسؤوليات كمسلك للقطع مع منطق الريع والزبونية والمحسوبية والولاءات التي أدت إلى تهميش الكفاءات الوطنية في السياسة كما في الإدارة.


كما يقتضي مبدأ الشفافية و ربط المسؤولية بالمحاسبة التواصل مع المواطنين و المواطنات حول مضمون التوافقات السياسية و البرنامج الحكومي الذي سيتم إعتماده بما يضمن مصداقية مؤسسة رئيس الحكومة وإعادة الثقة في نبل العمل السياسي.

بقلم الدكتورة : خديجة الكور
فاعلة سياسية و حقوقية.

مشاركة